انتهاء اللقاءات وانحسار الخيارات بقلم: د. أحمد حرب

مضى السادس والعشرون من كانون الثاني كغيره من الأيام، ولم يفاجأ معظم الفلسطينيين بالنتيجة؛ لأنَّ كل وقائع الموقف الإسرائيلي ومعطياته كانت تؤشّر إلى حتمية الفشل. "الحصيلة صفر مع انتهاء مهلة (الرباعية)". هذا ملخّص تصريحات الجانب الفلسطيني الذي شارك في اللقاءات الاستكشافية في عمّان. فالموقف الإسرائيلي بشأن قضيتي الأمن والحدود لم يكن واضحاً. وبحسب مصادر مطّلعة، فإن التصوّر الذي طرحه إسحق مولخو رئيس الوفد الإسرائيلي خلال اللقاءات الاستكشافية مع الجانب الفلسطيني يُحوّل الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية إلى وجود مبعثر في كانتونات معزولة دون تواصل جغرافي ودون القدس وغور الأردن.

بعد الإعلان الفلسطيني عن فشل لقاءات عمّان، هل ستوافق القيادة الفلسطينية على تمديدها كما تقترح الرباعية الدولية؟ الأغلب "نعم" إذا ما بقي الفلسطينيون في إطار التفكير نفسه.

بشكل أساس، تشتمل الخيارات التي يدرسها الفلسطينيون بعد فشل المحادثات الاستكشافية.. على المصالحة مع حركة حماس، والمضي قدماً في خيار الحصول على عضوية الأمم المتحدة كدولة مستقلة على حدود الرابع من حزيران. ولكن هذين الخيارين أصبحا أكثر صعوبةً وتعقيداً مما كانا عليه قبل بدء المحادثات الاستكشافية. فعملية المصالحة الفلسطينية التي استؤنفت قبل عدة شهور لم تسفر حتى الآن عن نتائج ملموسة على أرض الواقع، على الرغم من التصريحات المتفائلة التي كانت تصدر بين حين وآخر بقرب حلولها. بالإضافة إلى أن موقف "حماس" من لقاءات عمّان نفسها ـ والتي وصفتها في حينه بالطعنة القاضية لعملية المصالحة بأكملها ـ لن يجعل سلوك طريق المصالحة سهلاً.

أما بالنسبة إلى خيار الفوز بعضوية الأمم المتحدة كدولة مستقلة، فهو قائم في الوضع السياسي الدولي الراهن بشكل نظري. فلا يُتوقع من الولايات المتحدة التي هددت باستخدام (الفيتو) ضد المسعى الفلسطيني أن تغيّر موقفها، والقيادة الفلسطينية على قناعة تامة بعدم قدرة الرئيس الأميركي باراك أوباما ـ وحتى إن كان يرغب في ذلك أصلاً ـ على ممارسة أي ضغط على إسرائيل في سنة الانتخابات الأميركية. ومن ناحية أخرى فلم يتغيّر أي شيء في مواقف الدول الأعضاء في مجلس الأمن بالنسبة إلى طلب العضوية الفلسطيني على الرغم من التغيير في تركيبة المجلس بخروج خمسة أعضاء ودخول خمسة جدد مع بداية العام الحالي، وبذلك بقيت إمكانية الحصول على الأصوات التسعة اللازمة لتمرير الطلب الفلسطيني في لجنة دراسة الطلب لمواجهة الفيتو الأميركي كما هي.

وفي كل الأحوال لن يكون من السهل على القيادة الفلسطينية تجاهل الموقف الأوروبي، كما عبّرت عنه كاثرين آشتون ممثلة الاتحاد الأوروبي العليا للشؤون الخارجية، والذي لا يعترف بفشل "اللقاءات". حيث اعتبرت عقب لقائها الرئيس محمود عباس، يوم الخميس الماضي، أن إعلان انتهاء اللقاءات الاستكشافية بين الفلسطينيين والإسرائيليين دون إحراز أي تقدم لا يعني وصول الجانبين إلى طريق مسدود. "ليس هناك طريق مسدود والرئيس عباس يدرس بعناية كيفية المضي قدماً".

أي أن الأوروبيين يرون في المحادثات الاستكشافية الخيار الوحيد الممكن وأنهم لم يتوصلوا بعد إلى قناعة بأن ما تقوم به إسرائيل من إجراءات قمعية ضد الفلسطينيين، ومن استمرار للاستيطان يقوّض حل الدولتين، وهو الذي أوصل المفاوضات، من وجهة النظر الفلسطينية إلى طريق مسدودة.

بناءً على ما سبق، ومن خلال قراءة سريعة للتفكير السياسي الفلسطيني بشأن الخيارات المتاحة بعد فشل لقاءات عمّان، فإن القيادة الفلسطينية ستوافق على الأغلب على اقتراح الرباعية الدولية بتمديد اللقاءات الاستكشافية مدة شهرين إضافيين، بعد أخذ الضوء "الأخضر" من لجنة المتابعة لمبادرة السلام العربية المقرر اجتماعها في القاهرة في الرابع من شباط المقبل، تماثلاً مع لعبة السياسة بين "المتاح والممكن".