الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان تمثل فلسطين في المؤتمر الثامن للمؤسسات الوطنية العربية لحقوق الإنسان

رام الله/ مثلت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم" فلسطين في أعمال المؤتمر الثامن للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان تحت عنوان "ثقافة حقوق الإنسان في ظل المستجدات الراهنة" الذي عقد في العاصمة القطرية الدوحةمؤخراً. وقد شارك في المؤتمر الدكتور أحمد حرب المفوض العام للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان ومجيد صوالحة مسؤول العلاقات العامة والإعلام والمحامية صبحية جمعة منسقة وحدة تقصي الحقائق وإدارة الشكاوى في برنامج قطاع غزة.

وجاءت مشاركة فلسطين متميزة كونها تقدمت بورقة خاصة للمؤتمر حول مفهوم التربية على المواطنة الحقوق والواجبات، التي قدمها الدكتور حرب خلال جلسات المؤتمر التي انعقدت على مدار يومين، وقد رحب المفوض العام في بداية الجلسة بالانجاز الذي حققته الحركة الأسيرة في معركة الإضراب عن الطعام والانتصار الذي حققته على السجان، كونها المرة الأولى التي تستجيب فيها حكومة الاحتلال لمطالب الحركة الأسيرة، موضحاً أن الإنجاز الحقيقي للشعب الفلسطيني يتحقق عندما يتحرر جميع أسرانا ومعتقلينا من سجون الاحتلال، مطالباً المجتمع الدولي بالعمل على إجبار سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي على معاملة أسرانا ومعتقلينا معاملة أسرى حرب بموجب اتفاقية جنيف الرابعة.

وقد تناولت ورقة فلسطين عدة محاور أهمها المواطنة وحقوق الإنسان، مفهوم المواطنة وعناصرها، العلاقة ما بين المواطنة وحقوق الإنسان، القانون والمواطنة " دور سيادة القانون في تعزيز المواطنة"، أهمية التربية على المواطنة، تجربة الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في مجال التوعية والتدريب على المواطنة، والانتهاكات الإسرائيلية المتمثلة في "تجريد الفلسطينيين من حق المواطنة بموجب قوانين عنصرية"، موضحة أن مبادئ باريس الناظمة للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، "هي المصدر الرئيس لقواعد عمل المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان"، والتي تتطلب بدورها بأن تعزز المؤسسات الوطنية تدريس حقوق الإنسان، وتنظيم برامج التوعية والتدريب عليها، وذلك بهدف زيادة الوعي لدى المواطنين والمسؤولين بحقوق الإنسان والالتزامات الناتجة عنها. وفي هذا الإطار تتبنى الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم" برنامجاً خاصاً للتوعية والتدريب من خلال خطة إستراتيجية شاملة للوصول لأهدافها والتي منها على وجه التحديد تعزيز مفهوم المواطنة وسيادة القانون من خلال تبنيها لبرامج توعية وتدريب على مستويين متوازيين الأول: نشر ثقافة حقوق الإنسان والتي من ضمنها مفهوم المواطنة وسيادة القانون بين جميع المواطنين الفلسطينيين بمختلف فئاتهم وعلى الصعيدين الرسمي والشعبي انطلاقاً من فلسفة أن حماية حقوق الإنسان تبدأ بمعرفة جميع المواطنين بحقوقهم وبآليات حمايتها من أي اجتزاء أو انتهاك. أما الثاني فيتمثل في تدريب الأشخاص المكلفين بإنفاذ القانون، حيث تركز الهيئة في تدريبها هنا على المسؤولين الذين يرجح في حالتهم حدوث تجاوزات لحقوق الإنسان، مثل مدراء التحقيق في مختلف الأجهزة الأمنية والشرطية، والمستشارين القانونيين لدى هذه الأجهزة.

وحول مفهوم المواطنة (Citizenship) أوضحت الورقة نقطة الالتقاء لدى معظم الشراح على الرغم من التباين بينهم وهي "العلاقة التي تحكم الفرد ودولته كما يرسمها ويحددها القانون، بما تتضمنه تلك العلاقة من حقوق وواجبات". تتداخل حقوق المواطنة مع مفاهيم حقوق الإنسان، فعلى الرغم من أن حقوق المواطنة تخص المواطن ضمن نطاق دولته، الحامل لجنسيتها، الا أنها ضمن المفهوم الواسع لحقوق الإنسان، فمبدأ المساواة الذي هو أحد مبادئ حقوق الإنسان هو نفسه المبدأ الأول للمواطنة، مع التنويه أن مبادئ حقوق الإنسان واجبة التطبيق حتى بحق المواطن الذي لم يلتزم بواجباته، كالحق في محاكمة عادلة للمتهمين بخرق القانون والذين أخلّوا بواجبات تلك المواطنة، حيث يُقدم مفهوم سيادة القانون كمانع أساسي لتعسف السلطة، وكضامن لحقوق وحريات المواطنين فيها، فقد أكدت أغلب الدساتير العربية على مبادئ العدالة والمساواة وعلى ضمانات الحقوق، والحريات العامة والخاصة فيها. ويساهم مبدأ سيادة القانون المجسد في الدساتير العربية في ترسيخ عناصر السلم الأهلي وتعميق فكرة المواطنة في المجتمع، ويساهم أيضاً في حماية حقوق الإنسان على نحو فعال، مما يؤدي إلى تحقيق التقدم والتنمية في مختلف المجالات بشكل مطرد. ويعني مبدأ سيادة القانون خضوع الجميع - بدءً بالفرد وانتهاءً بالدولة نفسها - للمساءلة بموجب القوانين الصادرة عنها، وتطبيقه على الجميع بالتساوي، ويحتكم في إطاره إلى قضاء مستقل ونزيه. وفي هذا الصدد، تضطلع المنظمات الوطنية لحقوق الإنسان في العالم وبخاصة في المنطقة العربية، بأدوار حيوية في التثقيف والتوعية والتدريب على التعريف بالقانون وأهمية احترام أحكامه لما في هذا الاحترام من رابط قوي في حماية منظومة الحقوق والحريات في هذه البلدان.

وأوضح المفوض العام للهيئة بأن المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان تعمل من أجل دعم وجود إطار يتحقق من خلاله مبدأ سيادة القانون من حيث: التأكيد دائما على احترام أحكام الحقوق والحريات الواردة في الدساتير العربية، بوصفها القوانين الأسمى في هذه البلاد، مع كفالة تنفيذه من خلال مؤسسات العدل والقضاء والأمن. وفيما يتعلق بموضوع أهمية التربية على المواطنة تُعد برامج التربية "التدريب والتوعية" على المواطنة، وضمنها حـقـوق الإنسان، مهمة رئيـسـية من مهام المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، والتي تهدف إلى المساهمة في بناء مجتمع ديمقراطي يوفر العدل والمساواة بين أبنائه، ويكفل تحقيق تنمية مستدامة في تلك الدول، حيث تُعرف التربية على المواطنة على أنها مجموع البرامج والأنشطة من أجل تمكين الفئات المستهدفة من هذه البرامج من معرفة وتعلم أفضل ممارسات المواطنة ومبادئ وأحكام القانون، واحترام تطبيقه، وصولاً إلى امتلاك هذه الفئات للقدرات التي تمكنهم من صيانة حقوقهم ضمن الآليات القانونية المتوفرة، واحترام واجباتهم. وتستهدف برامج التوعية المواطنين بشكل عام وبعض الفئات (كالمكلفين بإنفاذ القانون) على وجه الخصوص والأقليات بشكل خاص، وذلك لتعرضها أكثر من غيرها لانتهاكات حقوقها، حيث من المتوقع أن تساهم هذه البرامج في زيادة الوعي لدى المواطنين والفئات الأخرى لأهمية ارتباط المواطنة بسيادة القانون ودور هذه السيادة في حماية حقوقهم وحرياتهم العامة والخاصة، وتمكينهم من استخدام الآليات التي تساهم في صون هذه الحقوق والحريات.

وفي السياق الفلسطيني مجال التوعية والتدريب على المواطنة بينت الورقة أن النصوص الدستورية الخاصة بالحقوق والحريات في الأراضي الفلسطينية تكتسب أهمية خاصة لاعتبارات عديدة منها: أن القانون الأساسي الفلسطيني هو أول (دستور فلسطيني) عبر التاريخ يضعه الفلسطينيون بأنفسهم، أتى بعد مرحلة طويلة من الاحتلال واستبداده، وبعد انعدام التوازن بين الحاكم الذي هو محتل والمحكوم المغلوب على أمره. فقد نظم القانون الأساسي المعدل 2003 البنود الضامنة للحقوق والحريات في الباب الثاني منه، حيث أكدت المادة العاشرة على أن "حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ملزمة وواجبة الاحترام وأن تعمل السلطة الفلسطينية دون إبطاء على الانضمام إلى الإعلانات والمواثيق الإقليمية والدولية التي تحمي حقوق الإنسان".

وفي الحق في الحرية الشخصية أكد القانون الأساسي الفلسطيني على أن "الحرية الشخصية حق طبيعي وهي مكفولة لا تمس"، كذلك أكد القانون الأساسي الفلسطيني على حق المقبوض عليه أو الموقوف أن يبلغ بأسباب القبض عليه أو إيقافه، وأكد أيضاً على حظر الإكراه أو التعذيب، وفي حق المتهم في محاكمة عادلة أكد القانون الأساسي الفلسطيني في المادة 14 منه على أن "المتهم برئ حتى تثبت ‏إدانته في محاكمة قانونية تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه، وكل متهم في جناية يجب أن يكون له محام يدافع عنه".

وفي حظر الاعتداء على الحريات الشخصية وحرمة الحياة الخاصة أكد القانون الأساسي الفلسطيني في المادة 32 منه على أن "كل اعتداء على أي من الحريات الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للإنسان وغيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها القانون الأساسي أو القانون، جريمة لا تسقط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم، وتضمن السلطة الوطنية تعويضاً عادلاً لمن وقع عليه الضرر. ورغم أن تلك النصوص تكفل وتصون الحقوق والحريات إلا أنها حماية ظاهرية وغير حقيقية ويتم انتهاكها في الأراضي الفلسطينية بشكل قانوني من خلال آليات عديدة، فقد رصدت الهيئة ذلك من خلال الشكاوى الواردة لديها، والتوثيق الذي حصلت عليه.

ويشمل برنامج الرصد والمساءلة والتثقيف كافة أنشطة الرصد والمساءلة والتثقيف التي تنفذها الهيئة، ومن بينها رصد أداء السلطات الثلاث فيما يتعلق باحترامها لحقوق المواطنة والإنسان وسيادة القانون، وتأتي على شكل تقارير أو آليات مساءلة، وهي: التقرير السنوي، تقارير خاصة بانتهاكات نمطية، بيانات صحافية، تقارير تقصي الحقائق، تقارير دورية (داخلية) عن وضع السجون وأماكن الاحتجاز، تقارير مراقبة ضمانات المحاكمة العادلة، جلسات الاستماع لمسؤولين وصناع القرار، لقاءات مفتوحة، وإعداد تقارير قانونية حول مواءمة التشريعات والمعايير الدولية، رسائل ومذكرات قانونية، وتقديم منشورات للحكومة، بناء وتطوير قاعدة بيانات إلكترونية محدثة باستمرار لانتهاكات حقوق الإنسان.

كما ويشمل برنامج التوعية والتدريب على ترويج ثقافة حقوق الإنسان والتدريب، وفيه الأنشطة التالية: مواد دعائية ترويجية في الإعلام المكتوب وإعداد مجلة متخصصة في حقوق الإنسان، إعداد نشرة الكترونية شهرية متخصصة في حقوق الإنسان، إجراء حملات إعلامية حول قضايا محددة، تأهيل طاقم للتدريب مدربين في قضايا حقوق الإنسان وإعداد مواد وأدلة تدريبية متخصصة، عقد دورات تدريبية لحقوق الإنسان، وتحديد أداة قياس متطورة لأثر عمل الهيئة على المجتمع المحلي.

وفي الختام ركزت الورقة على الانتهاكات الإسرائيلية الهادفة إلى تجريد المواطن الفلسطيني من حق المواطنة بالعمل بالقرارات والقوانين العنصرية التي تجرد المواطنين الفلسطينيين في أراضي 1948 والمواطنين في مدينة القدس من حق المواطنة والإقامة. وفي هذا الإطار فقد صادقت محكمة العدل العليا الإسرائيلية على قانون المواطنة العنصري الذي يمنع الفلسطينيين من "مواطني إسرائيل" من ممارسة حقهم في الحياة العائلية في حال تزوجوا من سكان الضفة الغربية أو من مواطني الدول التي تعتبرها إسرائيل من الدول العدو وهي (العراق، سوريا، لبنان، إيران). وقد وصفت مؤسسات حقوقية هذا القانون بأنه "لا يوجد مثيل له في أي دولة ديمقراطية في العالم" حيث يمنع المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل من حقهم في حياة عائلية بسبب قومية الزوج أو الزوجة، وكذلك التمييز بين مقدمي طلبات لم الشمل، وينص قانون المواطنة على منع الشمل للعائلات الفلسطينية داخل إسرائيل، وقد بُرِّر هذا القانون بأسباب ودواعٍ أمنية واهية، وقد أعقب ذلك أن أوقفت إسرائيل لم شمل العائلات التي كانت تصدر لها تصاريح إقامة مؤقتة فقط، وقالت جمعية حقوق المواطن في إسرائيل "إن قانون المواطنة والدخول إلى إسرائيل هو عار على دولة إسرائيل وقرار المحكمة العليا بعدم إبطاله يترك نقطة سوداء في كتاب القوانين الإسرائيلية".

يُضاف إلى ذلك ما يتعلق بمواطني القدس حيث صادق مجلس الوزراء الإسرائيلي بتاريخ 17/7/2011، على طلب وزير الداخلية والمخابرات العامة الإسرائيلية على تمديد سريان مفعول القوانين والأنظمة التي يحظر بموجبها جمع الشمل بين العائلات الفلسطينية من داخل الخط الأخضر وبين فلسطينيين من الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة لمدة ستة شهور تحت حجج وذرائع أمنية واهية، ولكنه في الحقيقة يهدف إلى الترحيل القسري لسكان مدينة القدس وتفريغها من مواطنيها الفلسطينيين، الأمر الذي يفتح الطريق في تطبيقها إلى تهجير نحو (100.000) مواطن مقدسي.