الهيئة المستقلة وبالتعاون مع هيئة مكافحة الفساد تصدران تقريراً بعنوان "العلاقة بين حقوق الإنسان والفساد"

رام الله/ اصدرت، مؤخراً، الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم" وبالتعاون مع هيئة مكافحة الفساد تقريراً قانونياً بعنوان (العلاقة بين حقوق الإنسان والفساد). ويأتي هذا التقرير انطلاقاً من قناعة الهيئتين بأهمية هذا الموضوع وتأثيراته العميقة على الحقوق التي ينبغي أن يتمتع بها المواطن الفلسطيني. علاوة على أن هذا التقرير يمثل إحدى مخرجات خطط الهيئتين للعام 2016، وفق مذكرة التفاهم المشتركة بهدف تمكين الدولة من إعمال حقوق الإنسان ومكافحة الفساد.

ويتضمن التقرير المكون من 100 صفحة من القطع المتوسط فصلين رئيسين. يتناول الفصل الأول علاقة حقوق الإنسان بمكافحة الفساد على المستوى الدولي في اطاره العام، والعلاقة ما بين الفساد وحق الإنسان في أعلى مستوى من الصحة يمكن بلوغه. أما الفصل الثاني فيتناول العلاقة ما بين حقوق الإنسان والفساد على المستوى الوطني في الخطط الوطنية لمكافحة الفساد ولحقوق الإنسان معاً، وهذه العلاقة في التشريعات الوطنية والممارسة الوطنية.

وأشار التقرير الذي أعده الباحث القانوني في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان المحامي معن دعيس، إلى أن حماية ورعاية وإعمال حقوق الإنسان واجب أصيل على كل دولة، الا أن الفساد المنتشر في المؤسسات المنوط بها إعمال هذه الحقوق حدَّ، وإلى حدٍ كبير، من قيامها بهذا الواجب، ومنعها من تحقيق الإعمال الحقيقي لحقوق الإنسان. ووفقاً للعديد من المختصين في مجالات حقوق الإنسان ومجالات مكافحة الفساد، إلى المبادئ المشتركة بين هدف إعمال حقوق الإنسان وهدف مكافحة الفساد، والتي تدفع كذلك باتجاه تعميق العمل على خلق حالة من التوازن المنشود بين إعمال حقوق الإنسان ومكافحة الفساد، كمبدأ الشفافية، ومبدأ المساواة وعدم التمييز، ومبدأ المشاركة. فضلاً عن أن الشفافية والمساءلة تشكلان المبادئ الرئيسية لنهج التنمية الذي يرتكز على حقوق الإنسان، وهما أيضا عنصر جوهري لنجاح استراتيجيات مكافحة الفساد.

كما أبرز التقرير أهمية دراسة العلاقة بين حقوق الإنسان والفساد من جانبين: الجانب الأول انتهاكات حقوق الإنسان الناجمة عن فعل الفساد في قطاعات الصحة والتعليم وغيرهما، والجانب الثاني، انتهاكات حقوق الإنسان الناجمة عن التدابير والاجراءات المتخذة لمكافحة الفساد. فرغم الحاجة إلى مكافحة الفساد الذي يؤثر على اعمال الدولة لحقوق الإنسان بشكل كبير، الا إن الحاجة إلى خلق توازن بين تدابير مكافحة الفساد وحقوق الإنسان، دفع إلى مراجعة العلاقة بين حقوق الإنسان ومكافحة الفساد، هذا الأمر الذي لم يكن معهوداً في السابق، لدى وضع المؤسسات الدولية للاتفاقيات والإعلانات المتعلقة بحقوق الإنسان، والذي أدى إلى انتهاك أجهزة الدولة لحقوق الإنسان نتيجة التدابير المشددة المتخذة في مكافحة الفساد، وأصبحت هذه الانتهاكات تُغلّف بإطار قانوني، عندما أصبحت العديد من القوانين الخاصة بمكافحة الفساد، أو مكافحة غسيل الأموال، تتضمن نصوصاً قد لا تنسجم مع المواثيق الدولية.

وخرج التقرير بمجموعة استنتاجات أهمها، أن التنبه لفكرة الربط بين حقوق الإنسان ومكافحة الفساد لم تظهر قديماً لدى وضع الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، فرغم صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العام 1948، والعهدان الدوليان للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في العام 1966، إلا أن بداية التفكير الجدي في هذه العلاقة لم تظهر إلا مع نهاية القرن العشرين، وبداية القرن الواحد والعشرين، عندما بدأ الاهتمام بقضايا (الإرهاب) وأصبحت النزعة العالمية تتجه نحو وضع الأدوات الكثيرة لمكافحة (الإرهاب)، تحت تسمية مكافحة الفساد، ومكافحة غسل الأموال، وتمويل (الإرهاب)، حتى وإن أدى ذلك إلى تجاوز حقوق الإنسان، والتعدي على الضمانات التي جاءت بها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

كما إن الخطط الوطنية لمكافحة الفساد، ورغم أنها تتحدث، بإيجاز، عن ضرورة احترام حقوق الإنسان، واعتماد مبادئ حقوق الإنسان كأحد المبادئ التي تقوم عليها هذه الخطط، إلا أن التوجهات الدولية سالفة الذكر، انعكست بوضوح في التشريعات الوطنية التي سُنّت في السنوات الأخيرة كقانون مكافحة الفساد، وقانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، التي خرجت في التدابير التي تضعها لمكافحة الفساد، أو غسل الأموال، عن الاجراءات والضمانات التي سبق وأن نص عليها القانون الأساسي، وتضمنها قانون الاجراءات الجزائية، وكفلتها المواثيق الدولية التي انضمت لها دولة فلسطين بشأن حقوق الإنسان.

لقد أصبحت القوانين سالفة الذكر تستخدم عبارات صريحة كعبارة "على الرغم مما ورد في قانون الاجراءات الجزائية والقوانين الأخرى ذات العلاقة" الواردة في المادة (9) من قانون مكافحة الفساد، وعبارة "تنفيذاً لأحكام هذا القرار بقانون لا تحول أحكام السرية المفروضة بموجب القوانين والأنظمة والتعليمات المعمول بها في فلسطين بما في ذلك أحكام السرية المصرفية أمام تنفيذ أحكام هذا القرار بقانون". الواردة في المادة (46) من قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. بل وتنص في نصوص صريحة على إعفاء من ينتهكون السرية بموجب أحكام هذه القوانين من الجزاءات الجزائية والمدنية والإدارية كالمادتين (17 و18) من القرار بقانون بشأن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

 ومن أهم التوصيات التي جاءت في التقرير: ضرورة أن تقوم دولة فلسطين، كعضو في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، بالمطالبة بتعديل الاتفاقية، وفقاً للإجراءات والأسس التي ترسمها الاتفاقية، وإضافة نص صريح يدعو الدول الأعضاء إلى الاهتمام بالربط الصريح بين حقوق الإنسان والفساد، وأن لا تؤدي التدابير والإجراءات المتخذة في مكافحة الفساد، إلى إيقاع انتهاكات بحقوق الإنسان. وضرورة أن يتم إضافة نص إلى قانون مكافحة الفساد الفلسطيني، وقانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ضمن الأحكام العامة للقانون، ينص على ضرورة أن لا يؤدي الإغراق في التدابير والإجراءات المتخذة لمكافحة الفساد إلى انتهاك حقوق الإنسان. وضرورة الموازنة بين مكافحة الفساد والتدابير المتخذة في هذا الصدد، وأهمية الالتزام بالمعايير الوطنية والدولية لحقوق الإنسان، التي تضمنتها الصكوك الدولية المختلفة لحقوق الإنسان، وكفل عدد منها القانون الأساسي الفلسطيني.

علاوة على ضرورة أن تعمل الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان وهيئة مكافحة الفساد، على إدماج معايير حقوق الإنسان ومكافحة الفساد في خططهما الوطنية لحقوق الإنسان، وخطط مكافحة الفساد الاستراتيجية، بحيث يسود نهج حقوق الإنسان الحساس لقضايا الفساد، وكذلك نهج مكافحة الفساد الحساس لقضايا حقوق الإنسان. ومن أجل الحد من انتهاكات حقوق الإنسان من جهة، ومكافحة الفساد من جهة أخرى، فإنه من الضروري أن تتعاون جميع المؤسسات الأهلية ذات العلاقة بحقوق الإنسان، ومؤسسات مكافحة الفساد، على تعزيز الربط بين حقوق الإنسان ومكافحة الفساد، والعمل من أجل خلق نوع من التفهم لأهمية الربط بينهما، وأثر ذلك على مكافحة الفساد من جهة، ومكافحة انتهاكات حقوق الإنسان من جهة أخرى. وضرورة مراجعة وضع القطاع الصحي الفلسطيني، ومحاولة الاستفادة من الصور المختلفة للفساد في القطاع الصحي التي تم عرضها في التقرير، باتجاه وضع اجراءات وتدابير تقي من حدوث الفساد في هذا القطاع الهام، وتخفّض من محفّزاته.

 ويمكن للباحثين والمهتمين الحصول على نسخ من هذا التقرير، ,ولتحميل نسخة إلكترونية الرجاء الضغط هنا