الهيئة تصدر مذكرة قانونية حول القرار بقانون رقم (16) بشأن الجرائم الإلكترونية

لتحميل الملف إضغط هنا

مذكرة قانونية حول قرار بقانون رقم (16) لسنة 2017 بشأن الجرائم الالكترونية

 

أولاً: الوقائع

بتاريخ 19/10/2016 أبرق أمين عام مجلس الوزراء لمعالي وزير العدل رسالة حملت الرقم (أ.ع.م.و/2016/2297) تحت عنوان "مشروع قرار بقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم ( ) لسنة 2016"، حصلت الهيئة على نسخة منها ومن مرفقاتها (المرفق: المذكرة الإيضاحية ونسخة من مشروع القرار بقانون)، طالبه فيها بالاطلاع على مشروع القرار بقانون المذكور، وإفادة مجلس الوزراء بهذا الخصوص، تمهيداً لاتخاذ القرار المناسب. مشيراً في متن الرسالة أنها معطوفة على تعليمات دولة رئيس مجلس الوزراء في معرض رده على كتاب النائب العام بضرورة التنسيق مع معالي وزير العدل فيما يتعلق بمشروع القرار بقانون المذكور. وبتاريخ 05/07/2017، وصلت إلى الهيئة نسخة أخرى من مشروع القرار بقانون المذكور مدخلاً عليه بعض التغيرات. وبتاريخ 09/07/2017، وصلت إلى الهيئة نسخة أخرى من مشروع القرار بقانون المذكور منسبةٌ من مجلس الوزراء إلى سيادة الرئيس بتاريخ 20/06/2016، حملت عنوان "قانون رقم ( ) لسنة 2017 بشأن الجرائم الالكترونية"، والتي يبدو من ظاهر الأمر أنها هي النسخة النهائية التي صادق عليها رئيس الدولة بالاستناد إلى صلاحيته التشريعية الاستثنائية في المادة (43) من القانون الأساسي المعدل لسنة 2003 وتعديلاته، بحسب ما نشر في وسائل الإعلام بتاريخ 24/06/2017. وفي صدد قيام الهيئة بالتعليق على المسودة المذكورة، تبين لها أن القرار بقانون منشور في الوقائع الفلسطينية بتاريخ 09/07/2016 باسم "قرار بقانون رقم (16) لسنة 2017. علماً أن الهيئة كانت قد اطلعت على محاضر اجتماع مجلس الوزراء بتاريخ 20/06/2017، ولم تلحظ قراره بتنسيب القرار بقانون المذكور وإحالته إلى السيد الرئيس للمصادقة عليه، بل كان المحضر يشمل تنسيب قانون المعاملات الالكترونية وليس الجرائم الالكترونية، ومن هنا قد يلمس وجود تضليل متعمد فيما يتعلق بتنسيب القرار بقانون بشأن الجرائم الالكترونية، ولاحقاً المصادقة عليه ونشره في الوقائع الفلسطينية.

وفي سياق متصل، نقلت بعض وسائل الإعلام المحلية بتاريخ 15/06/2017 أخبار تفيد بقيام عطوفة النائب العام بإصدار قرار بحجب بعض المواقع الالكترونية الإخبارية، ومخاطبته للشركات المزودة للانترنت العاملة في فلسطين لتنفيذ القرار المذكور، وقد قامت الهيئة بفحص بعض هذه المواقع للتأكد من سريان قرار الحجب، ولاحظت فعلاً وجود مشكلة في الاتصال بهذه المواقع. وفي أعقاب ذلك مباشرة، خاطبت الهيئة عطوفة النائب العام برسالة بتاريخ 15/06/2017 حملت الرقم (د.ع/25/2017) تستفسر منه عن موضوع قرار الحجب وتطلب منه التراجع عنه في حال كان هو مصدره بحسب ما تناقلته وسائل الاعلام، ولم تتلق الهيئة رداً على مراسلتها المذكورة. وبتاريخ 18/06/2017، وجهت الهيئة رسالة لمعالي وزير الاتصالات وتكنولوجيات المعلومات تعرب فيها عن خشيتها وقلقها البالغ من القرار المذكور، مطالبةً أياه بممارسة اختصاصه والإيعاز للشركات مزودة خدمة الانترنت بفك الحجب عن المواقع التي شملها قرار النائب العام. وبتاريخ 05/07/2017 عادت الهيئة ببرقية أخرى لمعالي وزير الاتصالات وتكنولوجيات المعلومات حملت الرقم (ت.س/29/2017) تؤكد فيها على رسالتها السابقة المذكورة أعلاه، وتطالبه بالعمل على فك الحجب عن المواقع التي شملها قرار النائب العام. إلا أن الهيئة لم تتلق لغاية الآن أي ردود على مراسلاتها المذكورة.

وهنا، تجدد الهيئة مطالبتها للجهات المختصة، بالتراجع الفوري عن قرار حجب المواقع الالكترونية، نظراً لمساسه المباشر بحقوق وحريات المواطنين، لاسيما الحق في حرية الرأي والتعبير، والحق في الوصول إلى المعلومات، التي كفلهما القانون الأساسي المعدل لسنة 2003 وتعديلاته، والاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان التي انضمت إليها دولة فلسطين.

 

ثانياً: التعليق على طريقة اعداد والمصادقة ونشر القرار بقانون

تستغرب الهيئة الطريقة التي تم من خلالها اعداد مشروع القرار بقانون المذكور، من حيث عدم طرحة للنقاش مجتمعي واسع، وعدم طلب رأي مؤسسات المجتمع المدني ونقابة الصحفيين والهيئة المستقلة والشركات المزودة للانترنت في أحكامه، وذلك بالرغم من أهمية قوانين التجريم والعقاب وتأثيرها المتوقع على حقوق وحريات المواطنين بوجه عام، وأهمية قانون مكافحة الجرائم الالكترونية بوجه خاص، بالرغم أيضاً من استمرار تعطل أعمال المجلس التشريعي. كما أن طرح مشروع القرار بقانون من قبل عطوفة النائب العام كما يبدو من مراسلة أمين عام مجلس الوزراء لمعالي وزير العدل، الذي ذكر فيها "...عطفاً على تعليمات دولة رئيس الوزراء على كتاب سعادة النائب العام القاضية بضرورة التنسيق مع معاليكم بخصوص مشروع قرار بقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم ( ) لسنة 2016..."، يثير العديد من المخالفات، ليس أولها مخالفة المادة (43) التي تشترط الضرورة لمباشرة الرئيس لصلاحيته التشريعية الاستثنائية، والتي تنفي توفرها الإجراءات الطويلة التي مرَّ بها مشروع القرار بقانون المذكور، كما ينفيها تولي غير الرئيس اعداد مشروع القرار بقانون، أو على الأقل مجلس الوزراء كما جرت العادة في الآونة الأخيرة. كما أن في ذلك الإجراء، مجافاة للمنطق، كون النائب العام هو الخصم الرئيسي في الدعاوى الجنائية التي تقام على المتهمين بشأن الجرائم المنصوص عليها في القرار بقانون المذكور، ويمنحه الأخير، صلاحيات واسعة في مجال ملاحقة الجرائم الالكترونية والتفتيش في الأجهزة الالكترونية وفي مراقبة الاتصالات وحجب المواقع الالكترونية، وأن طرحه للمشروع يلمس فيه حالة تضارب في المصالح.

 

ثالثاً: مبررات الخشية من القرار بقانون

تنظر الهيئة بقلق بالغ، إلى هذا التشريع الاستثنائي، وإلى الأحكام التي تضمنها، حيث تخشى من أن يمثل هذا القرار بقانون "أداة قانونية" لانتهاك حقوق المواطنين وحرياتهم الأساسية، لا سيما، الحق في حرمة الحياة الخاصة، والحق في حرية الرأي والتعبير، والحق في الوصول إلى المعلومات، وهي حقوق كفلها القانون الأساسي المعدل والاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان التي انضمت إليها دولة فلسطين. ويعزز هذا القلق، أن مثل هذا القانون استخدم في العديد من دول المنطقة بشهادة منظمات دولية غير حكومية مثل منظمة العفو الدولية و"هيومن رايتس ووتش" كأداة لقمع المعارضين السياسيين والتضييق على الحق في حرية الرأي والتعبير وانتهاك الحق في الخصوصية للمواطنين. فقوانين مكافحة جرائم تقنية المعلومات بوجه عام -بحسب المبادئ الدولية لتطبيق حقوق الإنسان فيما يتعلق بمراقبة الاتصالات "ضرورية ومتناسبة"- تمثل انتقاصاً من الحق في الخصوصية ومن حقوق إنسانية أخرى، لذا لا يمكن تبريرها، إلا إذا كان منصوصاً عليها في القانون، وضرورية لتحقيق غرض مشروع، ومتناسبة مع الغرض المنشود[1].

كذلك ترجع خشية الهيئة من القرار بقانون المذكور من مساسه المحتمل بقطاع واسع من المجتمع الفلسطيني، فلا تكاد تخلو أجهزة الحاسوب والهواتف الذكية واستخدام شبكة الانترنت من بيوت المواطنين. كما أن تقلص العوائق اللوجستية المتعلقة بمراقبة الاتصالات أمام الحكومات، والتباس تطبيق المبادئ القانونية في سياقات التقنيات الحديثة، والتضخم في محتوى الاتصالات الرقمية وفي المعلومات عن الاتصالات "البيانات الفوقية للاتصالات"، وكذلك تدني كلفة تخزين كمبيات كبيرة من البيانات والتنقيب فيها، واعتماد الأفراد على مقدمين لخدمات حفظ المحتوى ونشره، كلها جعلت مراقبة الحكومات للاتصالات ممكنة على نطاق غير مسبوق. كل ذلك، يدعو الهيئة إلى الخشية الكبيرة من هذا القانون، وبذات الوقت، فإنه يصبح لازماً تقييد إجراءات السلطات في هذا المجال لأضيق الحدود، مع تفعيل الضمانات الدستورية الحقيقة لضمان عدم تعسف أجهزة الدولة في أعمالها وتصرفاتها المتعلقة بقطاع الاتصالات.

إن الهيئة المستقلة، وبشكل صريح وواضح، لا تمانع من وجود نصوص تشريعية جنائية، تهدف إلى حماية واسعة لسمعة المواطنين وأموالهم وأسرارهم ومبتكراتهم ومؤلفاتهم، وتوفير حماية عالية للأطفال من الاستغلال في المواد الإباحية وفي الاتجار بالبشر، وحماية مؤسسات الدولة وبياناتها من المجرمين وقراصنة الانترنت، على أن تكون هذه النصوص تنسجم مع أحكام القانون الأساسي المعدل ومع الاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان ومع المبادئ الدولية المعنية بمراقبة الاتصالات. بالإضافة إلى توفيرها مراجعة قضائية فعَّالة لكافة الإجراءات الإدارية ذات العلاقة، وتحقيقها الموازنة المعقولة ما بين للدولة من صلاحيات وإجراءات إدارية وعقابية من جهة، وحق المواطنين في حرية التعبير وحقهم في حرمة الحياة الخاصة من جهة أخرى، وفق ما هو مقبول في مجتمع ديمقراطي حرَّ.

رابعاً: الملاحظات الجوهرية

نبرز في الآتي بعض الملاحظات الجوهرية على أحكام القرار بقانون المذكور، بالاستناد في ذلك، إلى القانون الأساسي المعدل، وقانون الإجراءات الجزائية رقم (03) لسنة 2001 وتعديلاته، والاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، لاسيما العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية، وبالاستعانة بمبادئ دولية لتطبيق حقوق الإنسان فيما يتعلق بمراقبة الاتصالات "ضرورية ومتناسبة"، وبورقة صادرة عن مؤسسة حرية الفكر والتعبير للتعليق على الاتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات.[2]

-        المذكرة الإيضاحية للقرار بقانون "المرفقة بالمسودة الأولى"

  1. اشتملت المذكرة الإيضاحية للقرار بقانون، على الأسباب الداعية إلى سن قانون لمكافحة جرائم تقنية المعلومات، كمواكبة تطور الجريمة وأدواتها، ومواجهة عجز القوانين التقليدية عن مواجهة الجريمة الالكترونية، وحماية أمن وسلامة المجتمع والأفراد بشكل عام، وأمن الدولة ومؤسساتها بشكل خاص، كما اشتملت المذكرة على المصادر التي تم الاستئناس بها في اعداد المشروع، وعلى محتوياته. وإذ تتفق الهيئة نظرياً في جزء مما جاء في المذكرة، إلا أنها غير راضية بشكل عام عن استخدام بعض المصطلحات الفضفاضة فيها، والتي غالباً ما تصاحب انتهاكات حقوق الإنسان، كمصطلح أمن الدولة، وتهديد الأمن القومي، والنظام العام والآداب العامة. وبخاصة، أن المذكرة أولت هذه المصطلحات أهمية خاصة بحسب ما كشفت عنه صياغتها في أكثر من مكان.

كما أن الاستئناس بالعديد من قوانين دول المنطقة الخاصة بمكافحة جرائم تقنية المعلومات، يثير العديد من التساؤلات، كون هذه التشريعات عليها العديد من الملاحظات فيما يتعلق بالحماية التي توفرها لحقوق الإنسان.

  1. لاحظت الهيئة أن المذكرة لم تركز على مفهوم الحقوق والحريات، فلم تتم الإشارة إلى أن أحد أهداف المشروع هو حماية الحقوق والحريات، أو أنه سيعمل على تحقيق الموازنة المعقولة بين الحقوق والحريات من جهة والقيود التي تفرضها السلطات المختصة على ممارستها من جهة أخرى، وفق ما هو مقبول في مجتمع ديمقراطي حرَّ.

إن من شأن هذه الملاحظات أن تثير الريبة والشكوك لدى المواطنين فيما يتعلق بحماية حقوقهم وحرياتهم، وبخاصة، حقهم في حرية التعبير، وحرمة حياتهم الخاصة، كون أن المذكرة الإيضاحية، تمثل في نظر الكثيريين السياسة العامة والأهداف التي يسعى المشرع إلى تحقيقها، وهي بحسب ما سبق بيانه، لا تعمل على إزالة أي ريب أو شك فيما يتعلق بالحقوق والحريات. بل وتجسد غياب تلك الأهداف في القرار بقانون بعد نشره في الوقائع الفلسطينية.

-        نصوص غامضة ومصطلحات فضفاضة

اشتمل القرار بقانون على مجموعة من النصوص الغامضة والفضفاضة، لا تصلح ألبتة أن تكون نصوص جنائية، مثل: المادة (16) التي تعاقب كل من أنتج ما من شأنه المساس بالآداب العامة أو أعده أو هيأه أو أرسله أو خزنه بقصد الاستغلال أو العرض على غيره عن طريق الشبكة الالكترونية أو إحدى وسائل تكنولوجيا المعلومات أو الرسوم المتحركة، وتعاقب الفقرة الثانية من ذات المادة كل من أنشأ موقعاً أو تطبيقاً أو حساباً إلكترونياً أو نشر معلومات على الشبكة الالكترونية أو إحدى وسائل تكنولوجيا المعلومات تدعو إلى تسهيل برامج وأفكار تروج لما من شأنه المساس بالآداب العامة؛ المادة (20) التي تعاقب من أنشأ موقعاً الكترونيا أو أداره عن طريق الشبكة الالكترونية أو إحدى وسائل تكنولوجيا المعلومات بقصد نشر أخبار من شأنها تعريض سلامة الدولة أو نظامها العام أو أمنها الداخلي أو الخارجي للخطر وعاقبت الفقرة الثانية من ذات المادة كل من روج بأي وسيلة تلك الأخبار بالقصد ذاته أو بثها أو نشرها؛ المادة (24) تعاقب كل من أنشأ موقعاً أو تطبيقاً أو حساباً إلكترونيا أو نشر معلومات على الشبكة الالكترونية أو إحدى وسائل تكنولوجيا المعلومات بقصد نشر وتوزيع معلومات تثير النعرات العنصرية...؛ المادة (40) تمنح صلاحية لجهات التحري والضبط المختصة، إذا ما رصدت قيام مواقع الكترونية مستضافة داخل الدولة أو خارجها، بوضع أية عبارات، أو أرقام، أو صور، أو أفلام، أو أية مواد دعائية، أو غيرها من شأنها تهديد الأمن القومي، أو السلم الأهلي، أو النظام العام، أو الآداب العامة، أن تعرض محضراً بذلك على النائب العام أو أحد مساعديه، وتطلب الإذن بحجب الموقع أو المواقع الالكترونية، أو حجب بعض روابطها؛ المادة (51) تعاقب على ارتكاب أي من الجرائم المنصوص عليها في القرار بقانون، بغرض الإخلال بالنظام العام، أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر، أو تعريض حياة المواطنين للخطر، أو منع أو عرقلة ممارسة السلطات العامة لأعمالها، أو تعطيل أحكام الدستور أو القانون الأساسي أو القوانين أو اللوائح، أو بقصد الإضرار بالوحدة الوطنية، والسلام الاجتماعي، أو ازدراء الأديان أو الاعتداء على الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور أو القانون الأساسي، بالأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة. بالإضافة إلى ذلك، فقد تضمنت المادة الأولى تعريف غير واضحة للاختراق، والذي يعتبر أحد أركان الجرائم المنصوص عليه فيه، حيث عرفه بالدخول غير المصرح به أو غير المشروع دون أن يبين متى يعد الدخول غير مصرح به أو غير مشروع.

إن مثل هذه النصوص تشكل خطراً كبيراً على حقوق وحريات المواطنين، وتمثل انتهاكاً لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات (مادة 15 من القانون الأساسي المعدل)، فالأصل في النصوص الجنائية الوضوح التام، وألا تحتمل التأويل في جوانبها، لأنها إذا كانت عكس ذلك، فسيترك تفسيرها وتأويلها إلى الأجهزة القضائية والتنفيذية، والتي من المفترض أن يقتصر دورها على التحقق والتأكد من ارتكاب الجرم من عدمه. كما يؤثر استخدام المصطلحات الفضفاضة والغامضة على حق الأفراد في العلم بالقاعدة القانونية، فكيف يمكن للمواطن أن يحدد ما يعتبر جريمة وما لا يعتبر جريمة في ظل عدم وضوح التشريع؟! ويجعل تطبيق هذه النصوص من قبل القائمين على تنفيذها عملاً انتقائياً، محدداً على ضوء أهوائهم ونزواتهم الشخصية ومبلوراً بالتالي خيارتهم التي يتصيدون فيها من يريدون، فلا تكون إلا شراكاً لا يأمن أحد معها مصيراً، وليس لأيهم بها نزيراً (دستورية عليا مصرية رقم 25، سنة 16 قضائية، تاريخ 05/07/1997، مكتب فني، جزء 01، صفحة (709)). بالإضافة إلى ذلك، فإن بعض النصوص التي وردت فيها تلك المصطلحات، إنما تشكل قيوداً غير مبررة وقاسية على ممارسة الحق في حرية التعبير، وسوف تشكل لا محالة تعاظم للرقابة الذاتية.[3]

-        توسع غير مبرر في التجريم

تضمن القرار بقانون تجريماً لأفعال لا تتناسب مع واقع المعطيات التقنية فيما يتعلق بالأمن الرقمي. حيث نصت المادة (26) منه على تجريم كل من حاز جهازاً بغرض الاستخدام، أو برنامجاً، أو أية بيانات إلكترونية معدة، أو كلمة سر، أو تراميز دخول، أو قدمها، أو أنتجها، أو زرعها، أو استوردها، أو صدرها، أو روج لها، وذلك بغرض اقتراف أي من الجرائم المنصوص عليها فيه. فعدا عن تناقض هذه المادة، التي تربط التجريم تارةً بغرض الاستخدام وتارةً أخرى بغرض اقتراف أي من الجرائم المنصوص عليها في القرار بقانون، فإنها واسعة جداً، ويمكن أن تشمل العديد من الأجهزة والبرامج التي يتم استخدامها في اختبار أمن وحماية الشبكات والبرمجيات والأنظمة المعلوماتية وتستخدم بالأساس لكشف الثغرات الأمنية للأنظمة وشبكات الاتصال. وتنسحب هذه الملاحظة على المادة (06) من القرار بقانون، والتي جرمت كل من أنتح أو أدخل عن طريق الشبكة الالكترونية، أو إحدى وسائل تكنولوجيا المعلومات، ما من شأنه إيقافها عن العمل، أو تعطيلها، أو تدمير البرامج، أو حذفها، أو اتلافها، أو تعديلها.

ويلاحظ التوسع غير المبرر في التجريم وفي تشديد العقاب، في العديد من المواد التي تشدد العقاب على الجرائم التقليدية المرتكبة بواسطة تقنية المعلومات (المادة (13): تجرم استعمال الشبكة الالكترونية أو إحدى وسائل تكنلوجيا المعلومات في سرقة أموال أو اختلاسها؛ المادة (15): تجرم استعمال الشبكة الالكترونية أو إحدى وسائل تكنلوجيا المعلومات في تهديد شخص أو ابتزازه...؛ المادة (28): تجرم كل من أنشأ موقعاً الكترونياً أو حساباً الكترونياً أو نشر معلومات على الشبكة الالكترونية أو إحدى وسائل تكنلوجيا المعلومات بقصد ارتكاب أي جريمة معاقب عليها بموجب أي تشريع نافذ أو اشترك أو حرض على ارتكابها يعاقب بضعف العقوبة المنصوص عليها في ذلك التشريع)، هذا تشديد غير مفهوم وغامض ولا يقترن فعلياً بالضرر المترتب على الجريمة، بقدر ارتباطه بأداة الجريمة نفسه، فالجريمة واحدة، بصرف النظر عن أداة ارتكابها، ولا توجد ضرورة لتشديد عقوبة على جريمة واحدة عند اختلاف أداة ارتكابها.[4]

-        انتهاك الحق في الخصوصية

تضمن القرار بقانون المذكور، العديد من النصوص الإجرائية (تلك المتعلقة بالملاحقة القضائية للمتهمين عموماً، وبمرحلة التحري والاستدلال خصوصاً،) ما من شأنه أن يشكل انتهاكاً خطيراً وغير مبرر لحق المواطنين في الخصوصية وحرمة حياتهم الخاصة، دون وجود ضوابط قانونية، توفر حماية حقيقية وفعَّالة للحق في الخصوصية وحرمة الحياة الخاصة للمواطنين من جهة، وتحقق من الوجهة المقابلة، إمكانية مساءلة جنائية فعَّالة ومتناسبة عن تجاوز السلطات والصلاحيات التي ينص عليها أو عن إفشاء الأسرار المتحصلة نتيجة الإجراءات القضائية المتخذة، وفق ما تقتضيه المعايير الدولية في هذا المجال.

وأول المواد التي تتيح إمكانية انتهاك حق المواطنين في الخصوصية؛ المادة (33) التي منحت النيابة العامة أو من تنتدبه من مأموري الضبط القضائي، صلاحية تفتيش الأشخاص والأماكن ووسائل تكنولوجيا المعلومات ذات الصلة بالجريمة، ولمدة مفتوحة ما دامت مبررات التفتيش قائمة، كما تتيح هذه المادة لوكيل النيابة أن يأذن بالنفاذ المباشر لمأموري الضبط القضائي، أو من يستعينون بهم من أهل الخبرة إلى أي وسيلة من وسائل تكنولوجيا المعلومات، وإجراء التفتيش فيها بقصد الحصول على البيانات أو المعلومات.

إن وجه الخطر والانتهاك في هذه المادة يتجلى من خلال منح صلاحية التفتيش في وسائل تكنولوجيات المعلومات، -والتي هي حساسة جداً فيما يتعلق بموضوع الخصوصية، تكاد تكون حساسيتها للخصوصية أكثر من حرمة المساكن ذاتها-، من قبل النيابة العامة دون إذن من المحكمة (القاضي) المختص بحسب المادة (17) من القانون الأساسي المعدل والمتعلقة بتفتيش المساكن. كما أن هذه المادة وهو وجه الانتهاك الآخر، لا تشترط أن يكون التفتيش أو النفاذ المباشر لوسائل تكنولوجيا المعلومات وإجراء التفتيش فيها في مواجهة المتهم وفي حضوره. وذات هذه الملاحظة تنطبق على المادة (34) من القرار بقانون، والتي تنظم صلاحيات النيابة العامة في الحصول على الأجهزة أو الأدوات أو الوسائل أو البيانات أو المعلومات الالكترونية أو بيانات المرور أو البيانات المتعلق بحركة الاتصالات أو بمستعمليها أو معلومات المحتوى ذات الصلة بالجريمة الالكترونية... .

أما المادة (35) من القرار بقانون، فقد منحت قاضي الصلح بناءً على طلب النيابة العامة أن يأذن بمراقبة الاتصالات والمحادثات الالكترونية وتسجيلها والتعامل معها؛ للبحث عن الدليل المتعلق بالجريمة وذلك لمدة خمسة عشر يوماً قابلة للتجديد لمرة واحدة، بناءً على توافر دلائل جديدة، وعلى من قام بالتفتيش أو المراقبة أو التسجيل أن ينظم محضراً بذلك يقدمه إلى النيابة العامة. فيما منحت الفقرة الثانية من ذات المادة النيابة العامة أن تأمر بالجمع الفوري لأي بيانات بما فيها حركة الاتصالات، أو معلومات إلكترونية، أو بيانات مرور، أو معلومات المحتوى التي تراها لازمة لمصلحة التحقيقيات، باستعمال الوسائل الفنية المناسبة والاستعانة في ذلك عند الاقتضاء بمزودي الخدمة حسب نوع الخدمة التي يقدمها.

تكمن خطورة هذا النص من أنه يلمس فيه التراجع عن الضمانات التي كان يوفرها نص المادة (51) من قانون الإجراءات الجزائية، والذي ينظم إجراءات ضبط المراسلات ومراقبة المحادثات السلكية واللاسلكية، والذي يبدو من خلال المادة (59) من القرار بقانون المذكور، أنه ملغى بالتعارض. فعلى الرغم من أن النص الجديد يتطلب إذن القاضي المختص للمراقبة كما هو الحال في المادة (51) المذكورة، إلا أنه غير مرتبط بطلب من النائب العام أو أحد مساعديه بحسب ما كانت تشترط لذلك المادة (51) المذكورة، كما أن هذا النص لا يحدد نوع الجريمة التي تتطلب استصدار مثل هذا الإذن، بخلاف المادة (51)، التي تحصر طلب الإذن في الجنايات أو الجنح المعاقب عليها مدة لا تقل عن سنة. كما أن المادة الجديدة لا تشترط أن يكون إذن التسجيل مسبباً، على خلاف المادة (51) أيضاً. بالخلاصة؛ النص بهذا الحال يمثل انتقاص واضح من الضمانات التي كان يوفرها نص المادة (51) المذكورة.

وتزداد خطورة ن هذه المادة، بمنح النيابة العامة صلاحية الأمر بالجمع والتزويد الفوري لأي بيانات بما فيها حركة الاتصالات، أو معلومات إلكترونية، أو بيانات مرور، أو معلومات المحتوى التي تراها لازمة لمصلحة التحقيقات، باستعمال الوسائل الفنية المناسبة والاستعانة في ذلك عند الاقتضاء بمزودي الخدمة حسب نوع الخدمة التي يقدمها. فعدا عن أن هذا النص يفتقد للضوابط المنقوصة أصلاً في الفقرة الأولى منها والمبينة أعلاه، وبخاصة، عدم تحديد المدة والأمر القضائي، فإنه يلزم مزودي الخدمة بتزويد النيابة العامة بالوسائل الفنية المناسبة في جمع المعلومات والبيانات، وهو أمر مرفوض تماماً وفق المعايير الدولية، التي ترفض أن تجبر الحكومات مقدمي خدمة الاتصال أو صانعي وموردي العتاد أو البرمجيات على تضمين وسائل مراقبة وتنصت في نظمهم التي يشغلونها أو ينتجونها أو يعرضونها لسيتخدمها الجمهور أو الجهات الخاصة أو الحكومية. وفي ذات السياق، فإن المعايير الدولية، ترفض إجبار الحكومات مقدمي خدمة الانترنت على جمع أو حفظ معلومات بعينها أو أي معلومات بشكل مسبق -احترازاً أو تحسباً- لأغراض مراقبة حكومية للاتصالات، فالأفراد لهم الحق في التعبير عن رأيهم بمجهولية، وعلى الحكومة الامتناع عن الإلزام بطلب هويات مستخدمي الاتصالات (تقرير المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير في 16 مايو 2011 الفقرة 84). وهذا يقودنا لنتيجة خطر المادة (32) من القرار بقانون المذكور وانتهاكها للحق في حرية الرأي والتعبير، حيث تلزم هذه المادة مزود الخدمة: بتزويد الجهات المختصة بجمع البيانات والمعلومات اللازمة التي تساعد في كشف الحقيقة، بناءً على طلب النيابة العامة أو المحكمة المختصة، وبالاحتفاظ بالمعلومات عن المشترك لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات، والتزامها أيضاً بالتعاون ومساعدة الجهات المختصة، وبناءً على قرار قاضي المحكمة المختصة في جمع أو تسجيل المعلومات أو البيانات الالكترونية والاحتفاظ المؤقت بها. كما لا يجوز لهذه الشركات ولا لموظفيها الاستناد إلى أسرار المهنة أو مقتضياتها؛ للامتناع عن تقديم المعلومات أو الوثائق التي تطلب وفقاً لأحكام القانون. وينحسب التزام الشركات مزودي الخدمة على أجهزة الدولة ومؤسساتها وهيئاتها والجهات والشركات التابعة لها بالاحتفاظ ببيانات تكنولوجيا المعلومات ومعلومات المشترك لمدة لا تقل عن 120 يوم وتزويد الجهة المختصة بجمع المعلومات لكشف الحقيقة (مادة 42). إضافة للخطر الناتج عن هذه المادة، فإنها تشكل قيوداً على قطاع مزودي خدمة الانترنت، من المحتمل تأثيره سلباً على مناخ الاستثمار في هذا المجال.

إضافة إلى ما تم تقدم، فإن المادة (35) من القرار بقانون بفقرتيها، ومعها المادة (32) منه المذكورة أعلاه، لا تبين طبيعة المعلومات التي يمكن الحصول عليها أو جمعها أو حفظها. فمن الممكن جداً أن تشمل النفاذ إلى البيانات الفوقية للاتصالات، التي يمكن بشدة من خلال تحليلها توليف سيرة لحياة الفرد، تتضمن الحالة الصحية، والآراء الدينية والسياسية، والعلاقات التنظيمية، والاهتمامات والنشاطات، فمثل هذه البيانات يجب أن تحظى بحماية بقصوى، أكثر من بيانات المشترك على سبيل المثال، لأنها تكشف عن تفاصيل عن الفرد قد تزيد عمّا يمكن استنتاجه من محتوى الاتصالات ذاته.[5]

ويظهر خطر المادة (35) على وجه الخصوص، بأنها لا تشترط على الحكومة أو على شركات الانترنت إخطار الشخص بمراقبة اتصالاته ومحادثاته الالكترونية فوراً، حيث إن مثل هذا الإجراء جوهري، ولا يمكن الاستغناء عنه إلا بتوفر شروط معنية، هي: أن الإخطار سيكون من شأنه إفشال الغرض الذي من أجله منح الإذن للمراقبة، وأنه يؤدي إلى خطر حال وشيك على حياة إنسان، وإصدار قضاء مستقل ونزيه وكفؤ وقت المراقبة إذنا بتأجيل الإخطار، وإخطار الأشخاص المتأثرين فوز زوال الخطر على النحو الذي يحدده القضاء المستقل النزيه الكفؤ.[6]

وما ينطبق على المادة (35) ينسحب أيضاً على المادة (37) من ذات القرار بقانون، والتي منحت المحكمة المختصة صلاحية الإذن بالاعتراض الفوري لمحتوى الاتصالات، وتسجيلها أو نسخها بناءً على طلب من قبل النائب العام أو أحد مساعديه، على أن يتضمن قرار المحكمة جميع العناصر التي من شأنها التعريف بالاتصالات موضوع طلب الاعتراض والأفعال الموجبه له ومدته، فيما نصت الفقرة الثانية من ذات المادة على أن مدة الاعتراض هي ثلاثة شهور من بداية تاريخ الشروع الفعلي في إنجازه، قابلة لتمديد مرة واحدة فقط،...، فعلاوة على غياب الضوابط المشار إليها أعلاه فيما يتعلق بمراقبة الاتصالات، فإن مدة الاعتراض الممنوحة هي طويلة جداً وتصنف ضمن المراقبة طويلة المدة، حيث قد تصل إلى 180 يوم، وهو ما لا يتفق مع توقعات الأفراد من الخصوصية، الأمر الذي قد يوصل المراقبين إلى البيانات الفوقية للاتصالات للشخص المراقب أو المعترض محتوى اتصالاته.

بالرغم من الضوابط الهشة في القرار بقانون المذكور فيما يتعلق بمراقبة الاتصالات، والضوابط المنصوص عليها في المادة (51) من قانون الإجراءات الجزائية، إلا أن هذه النصوص ولا أي نصوص أخرى في المنظومة القانونية الفلسطينية، توفر ضوابط أخرى تضفي حماية قصوى على مراقبة الاتصالات، وبخاصة مراقبة المحتوى، فلم يتم النص على أن مراقبة الاتصالات يجب أن تكون لغرض مشروع، وأن تكون ثمة ضرورة لهذه المراقبة، بأن تكون الأخيرة هي الوسيلة الأخيرة والأقل انتهاكاً لحقوق الإنسان. وأن تكون كذلك هي الوسيلة الملاءمة وتتناسب مع الغرض المشروع الذي تمارس لأجله، كما لم يتم النص على اشتراط توفر التناسب، بأن تكون الحكومة قادرة على تبرير هذا الإجراء لسلطة قضائية كفء مستقلة ونزيه قبل الشروع في مراقبة الاتصالات لأغراض إنفاذ القانون أو حماية الأمن القومي أو جمع المعلومات الاستخبارتية، وتبرر الحكومة هذا الإجراء تطبيقاً لمبدأ التناسب، بإثباتها أنه يوجد احتمال راجح أن جريمة فادحة أو تهديداً معيناً لغرض مشروع وقع أو على وشك الوقوع؛ يوجد احتمال راجح أن أدلة واضحة على تلك الجريمة الفادحة أو التهديد المعين لغرض مشروع يمكن استنباطها من العلومات المحمية؛ أساليب التحري الأخرى الأقل انتهاكاً قد استنفدت بلا جدوى أو إنها ستكون غير مجدية، بحيث إن الأسلوب المطلوب الإذن باستخدامه هو الأقل انتهاكاً؛ المعلومات المتحصل عليها ستقتصر على ما يتعلق بوضوح بالأدلة على الجريمة الفادحة المزعومة أو التهديد المعين المزعوم لغرض مشروع؛ كل المعلومات المجموعة الزائدة عن ذلك لن تستبقى بل فوراً ستتلف أو تعاد إلى مصدرها؛ المعلومات المتحصل عليها لن تنفذ إليها إير الهيئة المعينة ولن تستخدم لغير الغرض والمدة المأذون بهما؛ ممارسة المراقبة المطلوب الإذن بها والأساليب المطروحة لا تخل بجوهر الحق في الخصوصية ولا بالحريات الأساسية الأخرى.[7]

-        حجب المواقع الالكترونية

منح القرار بقانون في المادة (40) منه جهات التحري والضبط المختصة -إذا ما رصدت قيام مواقع الكترونية مستضافة داخل الدولة أو خارجها، بوضع أية عبارات، أو أرقام، أو صور، أو أفلام، أو أية مواد دعائية، أو غيرها، من شأنها تهديد الأمن القومي، أو السلم الأهلي، أو النظام العام، أو الآداب العامة -أن تعرض محضراً بذلك على النائب العام أو أحد مساعديه، وتطلب الإذن بحجب الموقع أو المواقع الالكترونية، أو حجب بعض روابطها من العرض، فيما نصت الفقرة الثانية من ذات المادة على أن يقدم النائب العام أو أحد مساعديه طلب الإذن لمحكمة الصلح خلال 24 ساعة مشفوعاً بمذكرة برأيه، وتصدر المحكمة قرارها في الطلب، في ذات يوم عرضه عليها إما بالقبول أو الرفض.

إن هذه المادة، تشكل انتهاكاً للحق في حرية الرأي والتعبير، والحق في الحصول على المعلومات، وتتناقض مع المعايير الدولية، التي تعتبر استخدام الانترنت حق أساسي من حقوق الإنسان، ومدخل أساسي لتحقيق التنمية المستدامة 2030، وأدان بشكل قاطع لا لبس فيه الاجراءات في المنع المتعمد أو تعطيل وعرقلة الوصول إلى نشر المعلومات ومنع الحجب والتشويش المتعمد لخدمات الانترنت (قرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدةـ حول تعزيز وحماية حقوق الإنسان على شبكة الانترنت رقم (A/HRC/32/L.20) بتاريخ 27/06/2016).

-        التعاون الدولي

تنظم المواد (43 -44) موضوع التعاون الدولي وإجراءاته فيما يتعلق بالجرائم الالكترونية، وبالرغم من أن القانون يوقف التعاون الدولي على مدى قدرة الدولة الطرف على سرية المعلومات المحال إليها، والتزامها بعدم إحالتها إلى طرف آخر أو استغلالها لأغراض أخرى غير مكافحة الجرائم المعينة بهذا القرار بقانون، وبالرغم أيضاً من إقرار القرار بقانون لمبدأ عدم الملاحقة عن الفعل الواحد أكثر من مرة، إلا أنه في المقابل، لا ينص على أن القانون الذي يجب أن يطبق، وبخاصة فيما يتعلق بمراقبة الاتصالات، هو القانون الذي يوفر أقصى حماية للفرد. كما أن القرار بقانون، لا يحدد مدى قصوى لحفظ المعلومات من قبل الدول الأطراف.

-        الشفافية

القرار بقانون لا يضمن توفر الشفافية لدى الجهات المختصة فيما يتعلق بتطبيقه، وبخاصة، تطبيق المواد التي تتيح مراقبة الاتصالات، إذ إنه وبحسب المعايير الدولية، يجب على الحكومات التزام الشفافية في كل القوانين والتنظيمات والنشاطات والقوى والسلطات المتعلقة بمراقبة الاتصالات، وذلك من خلال نشرها معلومات إجمالية دقيقة عن أعداد طلبات المراقبة المقبولة والمرفوضة، تبين فيها: مقدم الخدمة، وسلطة التحري وغرضه، وعدد الأفراد المتأثرين بكل طلب. كما تلزم الحكومات بإمداد الأفراد بالمعلومات اللازمة لهم ليفهموا على نحو كامل نطاق وطبيعة وتطبيقات القوانين المجيزة لمراقبة الاتصالات، كما تلتزم الحكومات بألا تعيق ولا تقيد مقدمي خدمات الانترنت والاتصالات في سعيهم إلى نشر الإجراءات التي يتبعونها عند تقديرهم وتلبيتهم طلبات الحكومة لمراقبة الاتصالات، ولا في سعيهم إلى الالتزام بتلك الإجراءات، ولا في نشرهم لسجلات طلبات الحكومة مراقبة الاتصالات.[8]

-        الرقابة الشعبية

القرار بقانون لا يوفر أي أي آليات رقابة شعبية إلى جانب آليات الرقابة القضائية والحكومية، تضمن رقابة مستقلة لضمان الشفافية والمحاسبة فيما يتعلق بمراقبة الاتصالات، بحيث يكون لها حق النفاذ المباشر إلى كل المعلومات التي قد تكون ذات علاقة بأفعال الحكومة، بما فيها المعلومات السرية، وذلك لتقدير إذا استخدمت الحكومة قدراتها القانونية على نحو مشروع أم لا، وتقييم ما إذا كانت الحكومة تنشر معلومات صحيحة وافية عن استخدامات ونطاق أساليب وقوى مراقبة الاتصالات وفق التزاماتها بالشفافية، ونشر تقارير دورية ومعلومات أخرى متعلقة بمراقبة الاتصالات؛ وأن تقرر للصالح العام مدى قانونية تصرفات الحكومة بما في ذلك مدى التزامها بمبادئ مراقبة الاتصالات.[9]

-        المساءلة عن النقاذ غير القانوني وحق الرجوع

يجب على قوانين مكافحة جرائم تقنية المعلومات بحسب المعايير الدولية في هذا المجال، ضمان نصوص تجرم المراقبة غير القانونية للاتصالات من قبل الجهات العامة أو الخاصة، مع وضعها لعقوبات جنائية ومدنية وتأديبية متناسبة مع شدة الجرم (انتهاك الحق في الخصوصية)، مع وضعها أيضاً نظاماً خاصة وشديداً لحماية للمبلغين والشهود وإيجاد سبلاً للانتصاف للمتضررين. كما يجب النص على استبعاد الأدلة والمعلومات المتحصل عليها من المراقبة غير القانونية، من عداد الأدلة المقبولة أمام الجهات القضائية، كما يجب أن تضمن هذه القوانين لذلك الغرض، إلزامية عدم الاحتفاظ بالمعلومات المتحصل عليها بطريق مراقبة الاتصالات بعد استخدامها في الغرض الذي لأجله تم التحصل عليها، وذلك بإتلافها أو إعادتها لمصدرها (الأشخاص التي تمت مراقبتهم).[10]

وبالرغم من أن القرار بقانون يوفر جزءاً من هذه المعايير، من حيث تجريمه للدخول غير المشروع للوسائط والنظم الالكترونية (مادة 4) من القرار بقانون، ومن حيث تجريمه أيضاً التقاط ما هو مرسل عن طريق الشبكة، أو إحدى وسائل تكنلوجيا المعلومات، أو سجله، أو اعترضه، أو تنصت دون وجه حق (مادة 7). إلا أنه في المقابل، لا يضع قواعد خاصة لمساءلة الجهات الرسمية لقيامها بهذه الأفعال بوجه غير قانوني وبدون ضرورة ولا ملاءمة ولا تناسب. كما أنه لم ينص على عدم الزامية إتلاف البيانات المتحصل عليها أو إعادتها لمصدرها بعد استفاد غرض المراقبة. إضافة إلى ذلك، فإن القرار بقانون لم ينص بشكل خاص على استبعاد الأدلة المتحصلة من المراقبة الالكترونية غير المشروعة، بل على العكس، فقد نص على عدم جواز استبعاد أي دليل ناتج عن وسيلة من وسائل تكنولوجيا المعلومات، أو أنظمة المعلومات، أو شبكات المعلومات، أو المواقع الالكترونية، أو البيانات والمعلومات الالكترونية، بسبب طبيعة الدليل. وعلى رغم من نص القرار بقانون على تجريم إفشاء سرية الإجراءات المنصوص عليها فيه في غير الأحوال المصرح بها قانوناً، إلا أن العقوبة المقررة لهذا الفعل (الحبس، غرامة لا تقل عن ألف دينار ولا تزيد عن خمسة آلاف دينار) لا تتناسب مع خطورة الفعل، وهي إفشاء أسرار ترتبط بحرمة الحياة الخاصة للأفراد، كما لم ينص على جزاء الفصل من الوظيفة عن هذا الفعل.

-        منح صفة الضبط القضائي

في مخالفة صريحة للمادة (21) من قانون الإجراءات الجزائية، التي حددت الأشخاص الذين يعتبرون من الضبط القضائي، ومن ضمنهم الموظفون الذي خولو صلاحية الضبط القضائي بموجب القانون. نصت المادة (58) من القرار بقانون على أن موظفو الوزارة المعينون من قبل الوزير مأموري ضبط قضائي لغايات تنفيذ أحكام هذا القرار بقانون.

-        الحق في العلم بالقاعدة القانونية

يتطلب إعمال الحق في العلم بالقاعدة القانونية، اعطاء الأفراد مدة للاطلاع على القوانين بعد نشرها في الجريدة الرسمية، حتى يقوموا سلوكهم بالبناء عليها، وبخاصة، إذا تعلق الأمر بقوانين تجريم وعقاب، إلا أن القرار بقانون، في المادة (61)، نص على سريان القرار بقانون من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، الأمر الذي يتيح التجريم والعقاب دون أن يطلع الأفراد على الأفعال المجرمة فيه.

 

 

-        الجنايات والجنح

بعض نصوص القرار بقانون تخلط ولا تفرق بين الجناية والجنحة على نحو يفتقد لأساس قانوني. فمثلاً تنص المادة (06) من القرار بقانون على أن عقوبة كل من أنتج أو أدخل عن طريق الشبكة الالكترونية،...هي الأشغال الشاقة المؤقتة وغرامة لا تقل عن خمسة آلاف دينار أردني... فالأشغال الشاقة المؤقتة هو عقوبة جنائية، بينما الغرامة عقوبة جنحوية مهما بلغت قيمتها، وبالتالي، لا يمكن وصف هذه الجريمة بأنها جنحوية ولا يمكن وصفها في ذات الوقت بأنها جنائية، الأمر الذي يثير مشكلة في اختصاص المحكمة، ويؤثر بشكل كبير على أحكام العود والتكرار التي نص عليها المشروع نفسه.

 

خامساً: توصية

بناءً على ما تقدم من ملاحظات وغيرها قد ترد في المستقبل على القرار بقانون رقم (16) لسنة 2017 بشأن الجرائم الالكترونية ومذكرته الإيضاحية، والتي تبين من خلالهما خطر الأحكام التي يتضمنها على حقوق المواطنين وحرياتهم الأساسية، وفي ظل استمرار غياب المجلس التشريعي، جهة الاختصاص الأصيل في التشريع، وبناءً على عدم وجود قواعد لمساءلة ومحاسبة السلطات الرسمية عن تجاوزها لاختصاصهاتها المنصوص عليها في القرار بقانون، وبناءً على ما كشفه التطبيق العملي لمثل هذا القانون في العديد من الدول العربية، فإن الهيئة تطالب بالوقف الفوري لتطبيق هذا القانون، وإعادة نقاشه مع الجهات ذات العلاقة، وعلى رأسها المنظمات الحقوقية، ومؤسسات المجتمع المدني، والشركات مزودة خدمات الانترنت والاتصالات، للتوصل إلى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات يتوافق مع القانون الأساسي المعدل والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

 

انتهى

 



[1]   كتبت هذه المبادئ بشكل تعاوني من قبل منظمات وخبراء في الخصوصية من مختلف أرجاء العالم، أقرت بشكل نهائي في مايو 2014، يمكن الاطلاع عليها من خلال زيارة الموقع الاتي: https://necessaryandproportionate.org/ar/sign

[2] محمد الطاهر، تعليق على الاتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، 2014.

[3] محمد الطاهر، مرجع سابق.

[4] المرجع السابق.

[5] المبادئ الدولية لتطبيق حقوق الإنسان فيما يتعلق بمراقبة الاتصالات، مرجع سابق.

[6] المرجع السابق.

[7] المرجع السابق.

[8] المرجع السابق.

[9] المرجع السابق.

[10] المرجع السابق.