الهيئة المستقلة تدين انتهاك الأجهزة الأمنية في قطاع غزة حق المواطنين في التجمع السلمي

تتابع الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم" بخطورة بالغة ما تقوم به الأجهزة الأمنية في قطاع غزة من اعتداءات على المواطنين واستخدام القوة المفرطة لفض تجمعات سلمية انطلقت اليوم الموافق 14/3/2019 في أنحاء متفرقة من القطاع، للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية التي تزداد سوءاً.   

ووفقاً لتوثيقات الهيئة، توافد مساء اليوم، في حوالي الساعة 3:00 مساءً، قرابة 700 مواطن، إلى دوار الترنس وسط مخيم جباليا بمحافظة شمال غزة، إثر دعوات أطلقها نشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي للتجمع، مناهضةً لغلاء الأسعار وارتفاع الضرائب في القطاع، وفي حوالي الساعة 3:15 حضر حوالي عشر جيبات عسكرية تتبع لجهاز الشرطة وحفظ النظام والتدخل، فرقوا المواطنين، مستخدمين الهراوات والعصي الخشبية والبلاستيكية، وكان بعضهم يحمل الأسلحة النارية، ما دفع عدداً من المواطنين إلى التدافع والهرب من المكان، ومع ذلك واصل عناصر الأمن اعتداءاتهم على من بقي في مكانه بالضرب العشوائي، حيث كان يشاهد هجومهم على تجمع مواطنين وضربهم جميعاً عشوائياً لإجبارهم على الهروب من المكان، وحسب مشاهدات باحثي الهيئة كان عدة عناصر يتجمعون على مواطن واحد ويضربوه سوياً في وقت واحد على أنحاء جسده كافة من ثم يتم وضعه في أحد الجيبات، وتكرر هذا الفعل مع عشرات المواطنين الذين تم احتجازهم.

ووفق مشاهدات باحثي الهيئة فقد انتشرت بين المشاركين عناصر أمنية ترتدي زيّاً مدنياً شاركت في الضرب والاعتقال، وبعضهم كان يحمل بخاخ غاز الفلفل، يتم رشه في عيون البعض لمواجهة من يقاوم ويرفض الانصياع للشرطة وهي تقتادهم إلى جيباتها لاعتقالهم، وشوهد بكثرة نقل سيارات الشرطة مواطنين إلى أماكن احتجازهم وعودتها مرة أخرى لمكان التجمع على وجه السرعة لاعتقال آخرين من جديد، وهكذا.

كما لوحظ أيضاً انتشار مدنين أغلبهم يرتدون "ترينج أسود" ولثام أسود اللون يغطي وجوههم، في غالبية أزقة المخيم والشوارع الفرعية، يحملون جميعاً عصيا خشبية وحديدية، قاموا بمداهمة وملاحقة الشباب المشارك بالحراك داخل بعض المحال التجارية المنتشرة في مفترق الترنس.

وقد وثقت الهيئة مصادرة أفراد الأمن المنتشرة في المكان عشرات الهواتف المحمولة سواءً من المشاركين أو حتى المواطنين الذين كانوا يقومون بالتصوير من داخل منازلهم، وكذلك بعض الصحفيين حيث جرى احتجاز الهاتف النقال الخاص بالصحفي سامي عيسى مدير تحرير بوابة الهدف الإخبارية.

وأفاد باحثو الهيئة أنه في حوالي الساعة 4:00 مساءً قامت سيارات الشرطة وعبر مكبرات الصوت بالمناداة على أفرادها وعناصرها للصعود إلى الجيبات والانسحاب من المكان، وفعلاً في غضون خمس دقائق انسحبت الشرطة من المكان.

كما وثق باحثو الهيئة، في حوالي الساعة 4:15 مساءً دخول جموع من المدنيين يحملون يافطات كتب عليها "ارحل يا عباس" ويهتفون عبر مكبر الصوت بعبارات ضد الرئيس عباس، وفي هذه الأثناء عاد الشباب المشاركين بالحراك وهتفوا ضد حركة حماس، وعندها تدخلت العناصر الملثمة التي كانت متمركزة على مداخل الشوارع الفرعية والزقاق، واعتدوا على المشاركين، في ذلك الوقت بدأت عناصر الشرطة تعود للمكان لفض من يهتفون ضد الحكومة في غزة وحركة حماس، وقد شوهد مواطنون مدنيون يتبعون لحماس، يشاركون بضرب المواطنين ويساعدون في عملية الاعتقال. وقدرت أعداد من اعتقلتهم الأجهزة الأمنية خلال أحداث منطقة دوار الترنس بحوالي مائة مواطن.

كما شهدت المحافظة الوسطى اعتداءات على تجمع لمئات المواطنين، وتحديداً على مدخل مخيم دير البلح الشرقي- دوار النخيل، غرب مدينة دير البلح، وحسب توثيقات باحثي الهيئة بدأ تجمع عشرات الشباب في المكان المذكور في حوالي الساعة 4:00 مساءً، وتم إشعال إطارات سيارات وعلى الفور حضرت قوة من الشرطة، وحاولوا تفريق المتجمعين بالقوة باستخدام الهراوات والاعتداء بالضرب على الشباب المتواجدين بشكل عشوائي، وملاحقتهم بسيارات الشرطة في الشوارع المحيطة بالمكان، وأثناء الملاحقة تعرضت سيارات الشرطة للرشق بالحجارة من قبل بعض المشاركين. وحضرت تعزيزات من قوات أخرى من الأجهزة الأمنية المختلفة (شرطة المباحث والشرطة وشرطة التدخل وحفظ النظام والأمن الداخلي)، يلبسون الزي العسكري الخاص بالشرطة وآخرون يلبسون الزي المدني، أغلبهم مسلحون ويحملون هراوات، وقاموا بالاعتداء بالضرب على كل من يتواجد في المكان، واقتياد كل من يتم الإمساك به إلى سيارات الشرطة المتواجدة.

وحسب توثيق الهيئة، أصيب العديد من الشبان ما بين كسور ورضوض، عرف منهم المواطن محمود عيسى البحيصي 58 عاماً الذي أصيب بكسر في يده حيث نقل إلى مستشفى شهداء الأقصى، وقامت الشرطة باحتجازه من داخل المستشفى. كما أصيبت سيدات نتيجة الاعتداء عليهم بالضرب عرف من بينهم المواطنة رباب البحيصي، وقد نقل إلى مستشفى شهداء الأقصى حوالي 17 مواطناً، واستمر احتجاز عدد من الشباب الذين تم الإمساك بهم في التظاهرة.

 كما شهد مخيم البريج وتحديداً دوار أبو رصاص جنوب وسط المخيم، في حوالي الساعة 4:30 مساءً تجمع حوالي 150 مواطناً، وعلى الفور حضرت قوات من شرطة التدخل وحفظ النظام إلى المكان وقامت بتفريق المتظاهرين وملاحقتهم بسيارات الشرطة، والاعتداء على عدد منهم بالهراوات واحتجاز عدد آخر وتفرق الشباب بأقل حدة مما حدث في دير البلح.

وفي حوالي الساعة 5:30 مساء انسحبت الشرطة من مكان تواجد المجتمعين في المنطقتين، إثر تدخل من وجهاء المحافظة الوسطى والقوى الوطنية والإسلامية لاحتواء الموقف والإفراج عن المحتجزين.

وكذلك شهدت مدينة رفح تجمع حوالي ٥٠ شخصاً عند دوار النجمة دون قيامهم بأية فعاليات أو رفع شعارات، إلا أن عناصر من الأجهزة الأمنية من بينهم أفراد من المباحث والأمن الداخلي بلباس مدني، احتجزوا ٤ مواطنين، وصادروا هواتف 4 أشخاص، وفرقوا التجمع.

وتؤكد الهيئة أن الحق في التجمع السلمي هو من الحقوق الأساسية التي كفلها القانون الأساسي الفلسطيني، في المادة (2) من القانون رقم 12 لسنة 1998 بشأن الاجتماعات العامة ولائحته التنفيذية، كما أن التنظيم القانوني الوطني والدولي الخاص بهذا الحق لم يضع أي قيد أو ضابط يحد من تلك الممارسة. وحدد دور المكلفين بإنفاذ القانون، بتنظيم ممارسة هذا الحق، ولم يخولهم اتخاذ تدابير وإجراءات تحد أو تقيد أو تخالف حرية ممارسة هذا الحق.

وعليه فإن الهيئة تعبر عن إدانتها لجملة الانتهاكات التي طالت المواطنين خلال تجمعات اليوم في مختلف مناطق قطاع غزة، وما تبعها من اعتداءات وإجراءات توقيف واحتجاز لم تستند إلى القانون، وتطالب :

1-      الجهات الرسمية بالالتزام بالقوانين والمحافظة على الحريات العامة وحرية التجمع السلمي.

2-      الجهات الرسمية بوقف الاعتقالات والإفراج الفوري عن المحتجزين.

3-   عدم استخدام القوة المفرطة غير المتناسبة في التعامل مع المتظاهرين السلميين، والالتزام بمدونات السلوك والتعليمات الخاصة باستخدام القوة.

4-  الجهات المعنية بضرورة تشكيل لجنة تحقيق محايدة للنظر في تجاوزات أفراد الأجهزة الأمنية وتقديم المخالفين للمساءلة.

5- منع مشاركة رجال الأمن الذين لا يرتدون الزي الرسمي من المشاركة في التعامل مع المسيرات والتجمعات بشكل مباشر، كون وجود أفراد بالزي المدني يشكل خطراً حقيقياً على الأمن المجتمعي.

كما وتؤكد الهيئة على مواقفها السابقة والتي كان آخرها إدانتها يوم أمس، اعتقال الأجهزة الأمنية في قطاع غزة مواطنين على خلفية تعبيرهم عن آرائهم ودعوتهم للتجمعات السلمية، وترى أن تلك الانتهاكات تأتي في إطار المناكفات السياسية وعدم قبول الرأي الآخر، في حين تقبل أي فعاليات تناهض الخصم السياسي الآخر، وبل وتعمل على تمكينها، ما بات جلياً أنه نهج واضح في التعاطي مع المختلفين في الرأي السياسي.

وإزاء هذه الأحداث المؤسفة، تعبر الهيئة المستقلة عن بالغ قلقها من التداعيات الخطيرة لاستمرار قمع الحريات العامة على مجمل أوضاع حقوق الإنسان في قطاع غزة وتدعو الجهات الرسمية إلى التعاطي بحكمة وروية مع حالة الاحتقان التي وصل إليها المواطنون في القطاع جراء الأزمات المتتالية التي تمس كرامتهم وركائز حياتهم، وتشدد على حاجة القطاع الملحة لوفاء المسئولين بمتطلبات حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية الأساسية.

 انتهى