تعيين الاشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة في الوظيفة العامة

المقالة في جريدة الأيام

إعداد المحامي: سامي جبارين

منسق وحدة الشكاوي
يقصد بالوظيفة العامة، وفقاً لقانون الخدمة المدنية الفلسطيني، مجموعة المهام التي توكلها المؤسسات والدوائر الحكومية والأجهزة الأمنية والمؤسسات الأهلية بمقتضى القانون والتعليمات والقرارات الإدارية لشخص معين وما يتعلق بها من صلاحيات وما يترتب على تلك المهام من مسؤوليات. تشتمل الوظيفية العامة على مجموعة من الواجبات والحقوق التي لا بد للمكلف بها أن يمارس الواجبات ويتمتع بالحقوق المقررة لها. والأصل أن القانون الأساسي قد كفل المساواة بين المواطنين في مجال التوظيف في الوظائف العامة، من حيث التعيين والترقية وغيرها من الحقوق الوظيفية، كما جاء قانون الخدمة المدنية في أغلب مواده القانونية بكفالة هذا المبدأ، حيث أوجد وسائل قانونية لشغل الوظائف أو الترقية فيها أو المساءلة عن أي خرق جرى من أي موظف.

ويعتبر الحق في تقلد الوظائف العامة جزء من الحقوق السياسية التي نصت عليها المواثيق والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان. فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان ينص في المادة (21/2) منه على أن "لكل شخص بالتساوي مع الآخرين حق تقلد الوظائف العامة في بلده". كذلك، نصت المادة (25/ج) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أنه: "يكون لكل مواطن، دون أي وجه من أوجه التمييز وعلى قدم المساواة عموماً مع سواه، فرصة تقلد الوظائف العامة في بلده".

وبالمقابل، أوجد التشريع الفلسطيني نصوصاً خاصة تضمن المساواة في تعيين المعاقين، من خلال النص بوضوح في القانون الأساسي الفلسطيني في المادة التاسعة منه بأن تكون المساواة أمام القانون والقضاء مكفولة بأن يكون القانون واحد بالنسبة للجميع ودون تمييز بين طبقة وأخرى، ولا بين الأفراد بسبب الأصل أو الجنس أو الدين أو اللغة أو السن أو الإعاقة، وكذلك الحال بشأن المساواة أمام القضاء.

كذلك أشارت القوانين الخاصة بالوظيفة العامة من ناحية، والخاصة بالمعاقين من ناحية أخرى، بالنص بشكل واضح على تعيين المعاقين في الوظائف العامة بنسبة محددة تضمن من خلالها نوع من التمييز الإيجابي لصالح المعاقين. فقد نصت المادة 24/3 من قانون الخدمة المدنية على أنه" يشترط فيمن يعين في أي وظيفة أن يكون: 3. خالياً من الأمراض والعاهات البدنية والعقلية التي تمنعه من القيام بأعمال الوظيفة التي سيعين فيها بموجب قرار من المرجع الطبي المختص، على أنه يجوز تعيين الكفيف في عينيه أو فاقد البصر في إحدى عينيه أو ذي الإعاقة الجسدية، إذا لم تكن أي من تلك الإعاقات تمنعه من القيام بأعمال الوظيفة التي سيعين فيها بشهادة المرجع الطبي المختص على أن تتوافر فيه الشروط الأخرى للياقة الصحية".

كذلك نصت المادة 12 من اللائحة التنفيذية لقانون حقوق المعاقين على أنه "على جميع المؤسسات الحكومية وغير الحكومية استيعاب عدد من المعاقين لا يقل عن 5% من عدد العاملين بها يتناسب مع طبيعة العمل في تلك المؤسسات.

هذا في جانب النص التشريعي، أما بخصوص الواقع العملي، فمن خلال المراجعات المتكررة ومن خلال المعلومات المتوفرة لدى الهيئة من واقع الشكاوى المقدمة في هذا الصدد، تبين أن النسبة الإجمالية لتعيين الأشخاص المعاقين في الوظيفة العامة في وزارة من الوزارات لم يصل إلى 2% وهي من كبرى الوزارات، في حين أن وزارة أخى لم تتعدى النسبة فيها 5%.

وفي مجال الشكاوى التي تلقتها الهيئة فقد كانت الصورة أكثر سواداً، فقد قامت وزارات محددة بفصل أشخاص معاقين من الوظائف التي يشغلونها وذلك بسبب الإعاقة التي من رأيهم تعيق أداءهم لمهامهم الوظيفية، وهناك وزارات أخرى تسعى إلى تعيين أشخاص من ذوي الإعاقة وفقاً لأحكام القانون. ففي العام 2008 تلقت الهيئة 4 شكاوى، وفي العام 2009 شكويان، وفي العام 2010، 4 شكاوى وخلال العام 2011 شكويان. أما خلال العام 2012 فقد تلقت الهيئة 6 شكاوى حول حقوق المعاقين بالتعيين توزعت على النحو التالي: 5 شكاوى حول التنافس النزيه لتولي الوظائف العامة، وشكوى واحدة تم فصل المواطن من الوظيفة العامة بسبب الإعاقة.

المواطنة إسعاد يونس إبراهيم قواريق من عورتا بمحافظة نابلس. تفيد المواطنة أنها تستخدم كرسي متحرك منذ كان عمرها 7 سنوات تقريباً بسبب حادثة تعرضت لها وأصيبت بالشلل. تفيد المواطنة أنها في العام 2010 تخرجت من جامعة القدس المفتوحة بتخصص خدمة اجتماعية. وتقدمت بطلب توظيف إلى مديرية التربية والتعليم/ جنوب نابلس خلال العام 2011 وتقدمت للامتحان والمقابلة ونجحت فيهما. تفيد المواطنة أنها لم تبلغ من التربية والتعليم بأي نتيجة حول ترتيبها أو سبب عدم توظيفها، خاصة كونها تستخدم الكرسي المتحرك. وقد طالبت المواطنة المذكورة بحقها في التوظيف حسب القانون الذي ينص على تشغيل ما لا يقل عن 5% من الأشخاص ذوي الإعاقة وعدم إهمال طلبها.

وبدورها قامت الهيئة بمخاطبة وزارة التربية بهذا الخصوص بتاريخ 27/3/2012، ونتيجة تلك الرسالة، وصل رد من وزارة التربية والتعليم بتاريخ 5/4/2012 يفيد أنه سوف يتم تعيينها في أول مركز شاغر يناسب تخصصها في العام الدراسي 2011/ 2012. ومراجعة المواطنة المذكورة فلم يتم تعيينها حتى تاريخ إعداد هذه المقالة.

المواطنة إخلاص صايل مصطفى إشتية من قرية سالم بمحافظة نابلس. تفيد المواطنة المذكورة أنها تعاني من إعاقة كف بصر كلي منذ الولادة، ولديها نسبة عجز 100% بموجب تقرير صادر عن وزارة الصحة. تفيد المواطنة أنها حاصلة على درجة بكالوريوس من جامعة النجاح تخصص لغة إنجليزية وآداب، وحالياً طالبة ماجستير في نفس الجامعة بتخصص ترجمة. تفيد المواطنة أنها تقدمت بطلب توظيف إلى مديرية التربية والتعليم في نابلس في 7/5/2011، وقد تم رفض طلبها من الأساس على خلفية كونها كفيفة. وقد طالبت المواطنة المذكورة بحقها في التقدم للوظيفة وعدم التمييز بحقها كما نص عليه قانون تشغيل ما لا يقل عن 5% من المعاقين".

وبدورها قامت الهيئة بمخاطبة وزارة التربية بهذا الخصوص بتاريخ 5/4/2012، ووفقاً لتلك الرسالة حصلت الهيئة على رد من وزارة التربية والتعليم العالي بتاريخ 10/4/2012 جاء فيه "نعلمكم أنه قد تم إلغاء دورها من سجل التعيينات للعام الدراسي 2011/2012 بناءً على توصية لجنة المقابلات في مديرية التربية والتعليم/ نابلس لعدم صلاحيتها للعمل استناداً إلى أسس ومعايير التعيين".

المواطن حازم محمد مصطفى تمراز من مدينة بيت لحم "أفاد المواطن حازم تمراز والذي يبلغ من العمر 24 عاماً انه من ذوي الإعاقة الحركية وحاصل على درجة البكالوريوس من جامعة بيت لحم تخصص تربية ابتدائية بتقدير جيدا جيداً. أفاد المواطن انه تقدم وخضع لامتحان وزارة التربية والتعليم في مديرية بيت لحم خلال شهر 5/2011 لإشغال وظيفة معلم لدى التربية والتعليم، وخضع للامتحانات حسب الاصول، وحصل على الترتيب الرابع لدى مديرية التربية في محافظة بيت لحم، بعد عرضه على لجنة التربية لغايات المقابلة الشخصية صنف، حسب ما أفاد، بأنه غير لائق صحيا لأنه معاق. أفاد المواطن انه وبسبب تمييزه عن باقي زملائه وبسبب الإعاقة حرم من فرصته وحقه بإشغال الوظيفة، علماً انه حاصل على الشهادات العلمية كما انه خضع للامتحانات حسب الأصول ونجح فيها بتفوق وبتحصيل الدرجة والترتيب الرابع، وأضاف انه عمل وتدرب لاحقا لدى مدرسة دار الكلمة كمعلم للصفوف الابتدائية لفترة شهر من خلال برنامج وتفاهم ما بين المدرسة والاتحاد العام للمعاقين، وكان كما أفاد من ذوي مقدرة على التكيف والتفاعل مع الطلبة، وقد تعاون مع المعلمين زملاؤه في المدرسة وابرز كتابا صادر من مدرسة دار الكلمة يدعم ما أفاد به. يناشد المواطن الهيئة بالتواصل مع التربية والتعليم في محافظة بيت لحم لوقف التمييز الواقع بحقه والتعامل معه أسوة بغيره وعلى أساس القدرة والكفاءة وليس على أساس الإعاقة ومنحه فرصة الحصول على حقه في العمل بوظيفة معلم، خصوصا انه وفي يوم تقديم الشكوى لدى الهيئة بتاريخ 27/2/2012 أصبح ترتيبه الأول على دفعة المتقدمين بعد تعيين المتنافسين الثلاثة السابقين له في الترتيب والآن هو على راس قائمة، ولولا حجة اللجنة ذات العلاقة بتصنيفه بأنه غير لائق صحيا نظراً لإعاقته". وقد ناشد المواطن الهيئة لمراسلة وزارة التربية بشأنه للعمل على رفع التمييز عنه.

وبدورها قامت الهيئة بمخاطبة وزارة التربية بهذا الخصوص بتاريخ 4/4/2012، ووفقاً لتلك الرسالة حصلت الهيئة على رد من وزارة التربية والتعليم العالي بتاريخ 10/4/2012 جاء فيه "نعلمكم أنه قد تم إلغاء دوره من سجل التعيينات للعام الدراسي 2011/2012 بناءً على توصية لجنة المقابلات في مديرية التربية والتعليم/ بيت لحم لعدم صلاحيتها للعمل استناداً إلى أسس ومعايير التعيين".

وهنا لابد من إثارة عدد من الأسئلة، لأن في الإجابة عليها مؤشرات تبين مدى اهتمام الجهاز الحكومي بفكرة تعيين الأشخاص ذوي الإعاقة في الوظائف العامة. فمثلاً، هل تقوم المؤسسات الحكومية بمنح المتنافس من ذوي الإعاقة علامات إضافية تضاف إلى رصيده في المنافسة على تولي الوظيفة العامة؟ كم عدد الأشخاص من ذوي الإعاقة الذين يتم تعيينهم بالمقارنة مع عدد الأشخاص الذين يتم فصلهم بسبب الإعاقة؟ وهل وضعت الدوائر الحكومية نصب عينها نقل الموظف ذو الإعاقة إلى وظيفة تتناسب مع الإعاقة بدلاً من فصله وجعله حالة اجتماعية تستفيد من معونات وزارة الشئون الاجتماعية؟ هل تراعي الجهات الحكومية قبل كل ذلك، نسبة الـ 5% من عدد العاملين في كل مؤسسة حكومية؟ وهل سنلاحظ في الأيام القادمة أن تكون إعلانات توظيف خاصة بالأشخاص ذوي الإعاقة للعمل في الوظائف الحكومية؟

إن في بقاء حالة تعيين الأشخاص ذوي الإعاقة بالصورة المشار إليها سابقاً، فيها إخلال واضح في تطبيق القانون ويعد ذلك تمييزاً صريحاً ومخالفةً لأحكام القانون الأساسي الفلسطيني، ولا سيما الحق في المساواة وعدم التمييز في تولي الوظائف العامة. وكذلك مخالفة لقانون الخدمة المدنية الفلسطينية ولوائحه التنفيذية، واللائحة التنفيذية لقانون المعاقين الفلسطيني.

لذا وللحد من هذه الإشكالية، فلابد من العمل على إعمال المبادئ القانونية الداعية إلى تعيين المعاقين بنسبة 5%، فكثيرة هي الوظائف التي تتناسب مع الإعاقة لدى الأشخاص. وبدلاً من اعتماد الأشخاص ذوي الإعاقة كحالات اجتماعية، العمل على تعيينهم في وظائف عامة. وكذلك تكريس التمييز الإيجابي لصالح الأشخاص ذوي الإعاقة عند تساويهم في المنافسة مع الأشخاص غير المعاقين.